ابن كثير

455

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وقوله تعالى : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ تقدم تفسيره رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ يعني مشرقي الصيف والشتاء ومغربي الصيف والشتاء ، وقال في الآية الأخرى : فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ [ المعارج : 40 ] وذلك باختلاف مطالع الشمس وتنقلها في كل يوم وبروزها منه إلى الناس . وقال في الآية الأخرى : رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا [ المزمل : 9 ] وهذا المراد منه جنس المشارق والمغارب ، ولما كان في اختلاف هذه المشارق والمغارب مصالح للخلق من الجن والإنس قال : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ . وقوله تعالى : مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ قال ابن عباس : أي أرسلهما . وقوله : يَلْتَقِيانِ قال ابن زيد : أي منعهما أن يلتقيا بما جعل بينهما من البرزخ الحاجز الفاصل بينهما ، والمراد بقوله الْبَحْرَيْنِ الملح والحلو ، فالحلو هذه الأنهار السارحة بين الناس ، وقد قدمنا الكلام على ذلك في سورة الفرقان عند قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً [ الفرقان : 53 ] قد اختار ابن جرير هاهنا أن المراد بالبحرين : بحر السماء وبحر الأرض ، وهو مروي عن مجاهد وسعيد بن جبير وعطية وابن أبزى ، قال ابن جرير : لأن اللؤلؤ يتولد من ماء السماء وأصداف بحر الأرض وهذا وإن كان هكذا لكن ليس المراد بذلك ما ذهب إليه ، فإنه لا يساعده اللفظ فإنه تعالى قد قال : بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ أي وجعل بينهما برزخا ، وهو الحاجز من الأرض لئلا يبغي هذا على هذا ، وهذا على هذا ، فيفسد كل واحد منهما الآخر ويزيله عن صفته التي هي مقصودة منه ، وما بين السماء والأرض لا يسمى برزخا وحجرا محجورا . وقوله تعالى : يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ أي من مجموعهما ، فإذا وجد ذلك من أحدهما كفى كما قال تعالى : يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ [ الأنعام : 130 ] والرسل إنما كانوا في الإنس خاصة دون الجن وقد صح هذا الإطلاق . واللؤلؤ معروف ، وأما المرجان فقيل هو صغار اللؤلؤ « 1 » ، قاله مجاهد وقتادة وأبو رزين والضحاك وروي عن علي ، وقيل كباره وجيده ، حكاه ابن جرير عن بعض السلف ورواه ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس ، وحكاه عن السدي عمن حدثه عن ابن عباس ، وروي مثله عن علي ومجاهد أيضا ومرة الهمداني ، وقيل : هو نوع من الجواهر أحمر اللون ، قال السدي عن أبي مالك عن مسروق عن عبد اللّه قال : المرجان الخرز الأحمر ، قال السدي : وهو البسذ بالفارسية ، وأما قوله : وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها [ فاطر : 12 ] فاللحم من كل من الأجاج والعذب والحلية إنما هي من الملح دون العذب . قال ابن عباس : ما سقطت قط قطرة من السماء في البحر فوقعت في صدفة إلا صار منها لؤلؤة ، وكذا قال عكرمة ، وزاد : فإذا لم تقع

--> ( 1 ) تفسير الطبري 11 / 589 .